محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
289
الآداب الشرعية والمنح المرعية
واعلم أن حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أكمل الأحوال وطريقه خير الطرق لما علم عليه السّلام أن الدنيا دار سفر لا دار إقامة اتخذ مساكن بحسب الحاجة تستر عن العيون وتقي مضرة الحر والبرد والمطر والرياح وتحفظ ما وضع فيها من دابة وغيرها ولم يزخرفها ولم يشيدها ولم تكن ثقيلة فيخاف سقوطها ولا واسعة رفيعة فتعشش فيها الهوام وتصير مهبا للرياح المؤذية ، ولا هي مساكن تحت الأرض فتشبه مساكن الجبابرة المتقدمين وربما تأذي ساكنها بذلك لقلة الهواء أو الشمس أو عدمهما أو بالظلمة أو ببعض الهوام بل هي مساكن متوسطة حسنة طيبة الرائحة بعرقه ورائحته صلّى اللّه عليه وسلّم وكان يحب التطيب ويتخذه كما سبق في حفظ الصحة من فصول الطب واللّه أعلم . فصل مضاعفة الصلاة في المساجد الثلاثة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة وفي مسجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسين ألفا ، وفي المسجد الأقصى بخمس وعشرين ألفا ، فإذا فضيلة النفل فيها على النفل في غيرها كفضيلة الفرض فيها على الفرض في غيرها ، ذكر ذلك في المستوعب والرعاية وزاد للأثر . وكذا ذكره ابن عبد القوي ولم أجد أثرا بهذه الصفة والظاهر أنهم أرادوا حديث أنس الآتي ووقع لهم وفيه غلط وكذا عند الشافعية أن المضاعفة لا تختص بالفرض وكذا قاله مطرف المالكي وخصها الطحاوي الحنفي بالفرض وقال القاضي السروجي الحنفي اسم الصلاة يتناول الفرض والنفل ثم قال : وحكى ابن رشد المالكي في القواعد أن أبا حنيفة حمل هذا الخبر يعني : " صلاة في مسجدي " " 1 " هذا على الفرض ليجمع بينه وبين قوله عليه السّلام : " صلاة أحدكم في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلا المكتوبة " " 2 " ولم يزد السروجي على هذا . وحكى الشيخ تقي الدين رحمه اللّه عن الجمهور استحباب المجاورة بمكة قال : قالوا : ولأن المجاورة بها من تحصيل العبادات وتضعيفها ما لا يكون في بلد آخر ولأن الصلاة فيها تتضاعف هي وغيرها من الأعمال انتهى كلامه وقطع به الشيخ موفق الدين رحمه اللّه في استدلاله لأفضلية صدقة التطوع في الأوقات والأماكن المعظمة . وروى الإمام أحمد " 3 " في مسنده عن علي بن بحر عن عيسى بن يونس عن ثور بن يزيد
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1190 ) ومسلم ( الحج / 505 ، 506 ، 508 ) . ( 2 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ . ( 3 ) منكر رواه أحمد ( 6 / 463 ) وابن ماجة ( 1407 ) . وانظر ضعيف سنن ابن ماجة ( 1407 ) .